ملخص كتاب فن التفكير الإبداعي – خدعة الموهبة!
ما الذي يجعل شخصًا ما يُحدث ثورة مبتكرة في مجاله بينما يظل الآخرون أسراء للروتين المكرر؟ أعترف لك، كم مرة جلست فيها أمام ورقة بيضاء أو مشروع جديد وتساءلت: هل الإبداع شفرة جينية يولد بها القليلون، أم أنه مهارة مكتسبة يُمكننا تفكيكها وتطويرها بالمران؟
في كتاب “فن التفكير الإبداعي”، ينسف المحاضر والفنان البريطاني رود جودكينز تلك الفكرة السائدة التي تحصر الإبداع في خانة الفنانين والشعراء فقط.
من خلال عقود قضاها في تدريس التفكير الابتكاري في كلية “سنترال سانت مارتينز” العريقة للفنون بلندن، يقدم جودكينز الحقيقة التي لمستها بنفسي بين صفحات الكتاب: الإبداع ليس هبة سحرية تكتسبها بالحظ، بل هو عادة يومية ورؤية جديدة للعالم تعتمد على التشكيك في المسلّمات، واحتضان الفشل، والربط الذكي بين العوالم التائهة.
يقدم لك هذا الملخص خريطة عمل تجمع بين التحليل النفسي لكيفية عمل العقل المبدع، والقصص الملهبة للهمم من تاريخ الفن والعلم والأعمال. هدفي هنا هو تزويدك بالأدوات العملية التي تمكّنك من تحويل عوائقك اليومية إلى شرارات حقيقية للاختراق الإبداعي.
💡 ملخص سريع لكتاب “فن التفكير الإبداعي” (أهم الأفكار)
- الإبداع مهارة وليست جينات: الإبداع ليس هبة سحرية، بل هو ممارسة يومية قائمة على التشكيك في المسلّمات وكسر الأنماط الذهنية الراتبة.
- الأخطاء هي مناجم ذهب: التفكير المنطقي يسير في خطوط مستقيمة مكررة، بينما الأخطاء توفر بيانات جديدة تفتح أبواب الاكتشافات الثورية.
- القيود تُفجر الطاقة الخلاقة: الوفرة المفرطة تسبب شلل القرار، بينما يضغط تقييد الوقت والميزانية العقل لإيجاد حيل مبتكرة.
- الفعل يسبق الإلهام: لا تنتظر “المزاج المناسب”؛ الحركة المادية والبدء المباشر هما ما يحفز الدماغ ويدخلك في حالة التدفق الذهني.
كسر القواعد والتشكيك في المألوف
دعنا نكون صريحين: أدمغتنا كسولة بطبعها! يفتش الدماغ البشري بشكل طبيعي ودائم عن آليات مريحة لتوفير الطاقة الذهنية. يعتمد العقل في ذلك على ما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ النماذج الذهنية الثابتة و الجمود الوظيفي للأشياء.
تعلّمنا هذه النماذج أن نرى الأحداث والأدوات بناءً على الأطر التي تعوّدنا عليها فقط. هذا الشلل الفكري هو ما يُدخل أفكارنا في حالة من الركود التام.
التفكير الإبداعي الحقيقي لا يمكن أن ينشأ داخل هذه المسارات المألوفة. بل يتطلب حث الدماغ على اختراق الجمود عبر ممارسة التشكيك المباشر في القاعدة السائدة، وإعادة تأطير المشكلات من زوايا غير متوقعة.
المغامرة التي غيرت مفهوم الفن – نونية دوشامب
في عام 1917، أراد الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب أن يختبر حدود الفن والمؤسسات الفنية في نيويورك. خذ عندك هذه القصة العجيبة: قام دوشامب بشراء أدوات صحية عادية (متبولة جدارية) من مصنع تقليدي، ووضع عليها توقيعًا مستعارًا، ثم قدمها لمعرض فني بارز تحت اسم النافورة (Fountain).
صُدمت اللجنة المُنظمة واعتبرت العمل إهانة صارخة للذوق العام. لكن دوشامب لم يكن يسعى لعرض قطعة جميلة صنعها بيده، بل كان يريد إيصال فكرة ثورية زلزلت المفاهيم السائدة:
- الفن ليس مجرد مهارة يدوية مكررة في الرسم أو النحت.
- الفن هو “قرار عقلي” وزاوية رؤية جديدة.
بمجرد أن يختار الفنان غرضًا عاديًا ويضعه في سياق جديد، فإن قيمة الشيء تتغير بالكامل. هذه المغامرة الجريئة كسرت القواعد التقليدية الصارمة، وأسست لما يُعرف اليوم بـ “الفن المفاهيمي” الذي غيّر تاريخ الفن الحديث إلى الأبد.
“الأفكار السيئة هي القواعد التي تُبنى عليها الأفكار العظيمة. الشخص الذي لا يملك أفكارًا سيئة لا يملك أي أفكار على الإطلاق.”
يوضح جودكينز هنا أن كسر القواعد يتطلب شجاعة نفسية للقبول باحتمالية طرح أفكار يبدو بعضها غريبًا أو غير منطقي في البداية. إن الخوف من المظهر السيئ أمام الآخرين هو الحارس الصارم الذي يمنع عقلك من الوصول إلى الفكرة الثورية التالية.
كيف تطبق كسر القواعد في يومك؟
- استجوب المسلّمات: اختر إجراءً روتينيًا في عملك يُنفذ بنفس الطريقة منذ سنوات، واسأل نفسك: “لماذا نفعل هذا بهذه الطريقة تحديدًا؟ وماذا لو فعلنا عكسه تمامًا؟”.
- رفض الإجابات الجاهزة: لا تقبل جملة “لأن الأمور تُدار هكذا دائمًا”. ابحث عن طرق تختصر الخطوات، حتى لو بدا التطبيق مخيفًا للمحيطين بك.
- إعادة استخدام الموارد: انظر للموارد أو الأدوات المتاحة حولك وفكر في كيفية استخدامها لغرض مختلف تمامًا عن الوظيفة الأساسية التي صُنعت من أجلها.
احتضان الفشل والأخطاء كوقود للابتكار
ما الذي يحدث في أدمغتنا عندما نخطئ؟ هذا الفخ نقع فيه جميعًا! عندما نرتكب خطأً في حياتنا العملية أو الشخصية، يتفاعل الدماغ تلقائيًا عبر إرسال إشارات خطر تُفعل مركز الخوف في الدماغ (اللوزة الدماغية). ينجم عن ذلك شعور فوري بالتهديد، مما يدفعك لتطوير سلوك دفاعي ينحصر في الهروب أو التغطية على الخطأ.
ومع ذلك، تشير الدراسات المتعلقة بـ التفكير الجانبي والابتكار العلمي إلى أن الأخطاء توفر معطيات جديدة وغير متوقعة (وإذا أردت التعمق أكثر في كسر أنماط التفكير التقليدية، أنصحك بقراءة ملخص كتاب التفكير الجانبي لعملاق التفكير إدوارد دي بونو).
هذه المعطيات لا يمكن للتحليل المنطقي السليم الوصول إليها إطلاقًا! لماذا؟ لأن المنطق يسير في خطوط مستقيمة ومحسوبة، بينما الخطأ المفاجئ يدفعك للانحراف عن المسار واكتشاف مناطق غير مطروقة.
طبق البكتيريا الذي أنقذ البشرية – اكتشاف البنسلين
في صيف عام 1928، كان العالم الاسكتلندي ألكسندر فليمنج يجري أبحاثًا حول البكتيريا الممرضة في مستشفى سانت ماري بلندن. كان فليمنج باحثًا عبقريًا لكنه كان معروفًا بالفوضوية وعدم الترتيب في مختبره. قبل أن يغادر في إجازته الصيفية، نسي إغلاق أحد أطباق المعمل المملوءة بالبكتيريا وتركه مكشوفًا قرب النافذة.
عندما عاد فليمنج بعد أسابيع، وجد أن الطبق قد تلوث بنوع من العفن الفطري المنقول بالهواء. أي عالم آخر كان سيشعر بالأسف على هذا “الخطأ الإجرائي”، وسيسارع بغسل الطبق والتخلص منه للبدء من جديد.
لكن فليمنج توقف وفحص الطبق بدقة، فلاحظ شيئًا مذهلاً:
- البكتيريا كانت تنمو في كل الطبق باستثناء المنطقة المحيطة بالعفن.
- العفن التهم البكتيريا وقضى عليها تمامًا.
بدلاً من معاقبة نفسه على الإهمال، درس فليمنج هذا “الخطأ” وشخّص الفطر ليفرز مادة “البنسلين”، أول مضاد حيوي في التاريخ، والذي أنقذ مئات الملايين من الأرواح.
دليل العمل – كيف تحول عثراتك إلى بيانات ذهبية؟
- تعديل الاستجابة النفسية: عند حدوث خطأ في مشروعك، درب نفسك على إيقاف جلد الذات فورًا، وتبنّ عقلية الباحث المكتشف.
- طرح السؤال البديل: لا تسأل “من المسؤول عن هذا الخطأ؟”، بل اسأل: “ما هي المعلومة الغريبة وغير المتوقعة التي كشفها لنا هذا الخطأ ولم نكن سنلاحظها في الظروف العادية؟”.
- إنشاء سجلّ للاكتشافات: وثّق أخطاءك اليومية والتجارب غير الناجحة، وافحصها أسبوعيًا لترى ما إذا كان يمكن إعادة استخدام إحدى هذه التعثرات كحل لمشكلة أخرى.
التهجين والربط بين العوالم التائهة
يعتمد الذكاء الإبداعي في جوهره على المفهوم المعروف علميًا بـ “الإبداع التجميعي”. العقل البشري نادرًا ما يخلق أفكارًا من العدم المطبق؛ بل يعمل كمنصة لمعالجة المدخلات وتحليلها.
ولكن، متى يحدث الابتكار الحقيقي؟ يحدث عندما يُنشئ الدماغ وصلات جديدة تُربط بين مفهومين أو مجالين لا توجد بينهما أي علاقة ظاهرة في البداية. (إذا أثارت هذه الفكرة شغفك حول كيفية استعارة الأفكار وإعادة تدويرها بعبقرية، فقد يهمك أيضًا ما ناقشناه في ملخص كتاب أسرق كفنان للكاتب أوستين كليون).
هذه العملية ترفع من المرونة العصبيّة للدماغ وتسمح باستعارة الاستراتيجيات الناجحة من حقل معرفي معين وتطبيقها في حقل آخر مختلف كليًا، مما يخلق حلولاً ثورية لا يستطيع المتخصص الغارق في مجاله المحدود أن يراها.
الخط العربي في قلب التكنولوجيا – تجربة ستيف جوبز
عندما ترك ستيف جوبز دراسته الرسمية في الجامعة، لم يغادر الحرم الجامعي فورًا، بل قرر الانضمام إلى فصول دراسية غير ملزمة في فن الخط والتصميم البصري للحروف. لم يكن لهذا المجال أي صلة نهائيًا بالطموحات التقنية أو بعالم أجهزة الكمبيوتر الواعد في ذلك الوقت، بل كان مجرد شغف جمالي خالٍ من النفع المادي المباشر.
تعلم جوبز في تلك الفصول:
- الفروق بين الخطوط البصرية المختلفة.
- المسافات المتناسبة بين الحروف.
- الجماليات التشكيلية التي تجعل النص ممتعًا للعين.
بعد عشر سنوات كاملة، أثناء تصميمه لأول جهاز كمبيوتر “ماكنتوش”، قام جوبز بدمج هذا الفن البصري القديم مع علوم البرمجيات الدقيقة.
كانت النتيجة أول كمبيوتر شخصي في العالم يحتوي على خطوط متعددة ومسافات متناسقة جماليًا. هذا التهجين الفريد بين الفن والتكنولوجيا هو ما منح شركة “أبل” هويتها البصرية الفائقة وجعلها تتفوق على جميع منافسيها.
استراتيجية التهجين الفكري في حياتك العملية
- اخرج من حقل اختصاصك: خصص وقتًا أسبوعيًا للاطلاع على مجالات بعيدة كليًا عن عملك؛ اقرأ في علم الفلك إن كنت محاسبًا، أو ادرس علم النفس إن كنت مهندسًا.
- تمرين التقاطع: اختر مشكلة معقدة في عملك، ثم اختر أداة من مجال مختلف تمامًا واسأل نفسك: “كيف يمكن لمصمم أزياء أو لطبيب جراحة أن يحل هذه المشكلة الإدارية؟”.
- بناء فرق متنوعة الخبرات: عند جلسات العصف الذهني، أشرك أشخاصًا من خلفيات غير تقنية، لأن رؤيتهم المختلفة قد توفر الشرارة الإبداعية التي تنقص الفريق المخصص.
استغلال القيود كمحفز إبداعي
تؤدي الوفرة المطلقة في الموارد، والوقت المفتوح، والخيارات غير المحدودة إلى ظاهرة نفسية يُعرفها علم النفس بـ معضلة الاختيار (The Paradox of Choice). عندما تتعدد الطرق أمام العقل، يصاب الفرد بحالة من التشتت الشديد وشلل اتخاذ القرار، مما يستهلك الطاقة الذهنية في التفاضل بين البدائل بدلاً من الانغماس في التنفيذ.
على العكس من ذلك تمامًا، تعمل القيود الصارمة كجدران حماية تُركّز التفكير وتضغط الطاقة الإبداعية. القيد يضيّق مساحة البحث، مما يجبر العقل على الابتكار وإيجاد حيل ذكية للغاية للالتفاف حول العائق واستغلال المتاح بأقصى كفاءة.
رهان الـ 50 كلمة – شاهكار الدكتور سوس
في عام 1960، دخل الناشر “بينيت سيرف” في رهان مع الكاتب والرسام الشهير الدكتور سوس. كان الرهان يتلخص في أن “سوس” لن يستطيع كتابة قصة أطفال مشوقة ومكاملة باستخدام 50 كلمة مختلفة فقط لا غير!
بدلاً من أن يشعر “سوس” بالإحباط أمام هذا القيد التعجيزي، حصر قائمة المفردات الـ 50 بدقة وشرع في كتابة القصة وتعديلها مئات المرات ليتناسب الوزن والإيقاع مع هذا العدد المحدود. وكانت النتيجة كتاب الأطفال الأسطوري بيض أخضر ولحم بقر (Green Eggs and Ham).
أدى القيد الشديد إلى ولادة لغة بسيطة ذات إيقاع موسيقي مذهل سحر قلوب الأطفال. حقق الكتاب نجاحًا ساحقًا، وأصبح حتى يومنا هذا واحدًا من أكثر كتب الأطفال مبيعًا في تاريخ الكتابة المطبوعة.
“لا تنتظر الظروف المثالية؛ القيود لا تقتل الإبداع بل هي ما يفجّره، فمع وجود خيارات غير محدودة نُصاب بالشلل.”
يؤكد جودكينز في هذا النص أن انتظار الفرص المكتملة والميزانيات المفتوحة هو عذر عاطفي يلجأ إليه العقل للهرب من مواجهة التحدي. الإبداع الحقيقي هو نبتة صلبة تنمو في شقوق الصخور لا في الحقول الممهدة.
كيف تصنع قيودك الإيجابية لتوليد الأفكار؟
- فرض حدود الوقت: بدلاً من إعطاء نفسك يومًا كاملاً لكتابة تقرير، حدد ساعة واحدة فقط واجبر عقلك على إنجازه خلالها.
- قيد الميزانية الصفرية: اختر مشروعًا وفكر: “كيف يمكنني تسويق أو تنفيذ هذا المشروع دون إنفاق درهم واحد؟”.
- التضييق الهيكلي: قلل عدد الأدوات المتاحة لك؛ اكتب مقالاً دون استخدام كلمات معقدة، أو صمم عرضًا تقديميًا باستخدام شريحة واحدة فقط تحتوي على صورة دون نصوص.
الأصالة والتعاطي مع الذات الفريدة
يملك الكائن البشري نزعة تطورية قديمة نحو “الامتثال الجماعي” لضمان القبول داخل المجموعة وتجنب العزل. هذه النزعة تشكل عائقًا إبداعيًا ضخمًا، لأنها تدفع الأفراد لتشديد الرقابة الذاتية على أفكارهم الغريبة وتقليمها لتناسب ما يطلبه السوق أو المجتمع.
الأصالة الإبداعية تتطلب شجاعة نفسية عالية للقطع مع المألوف، والاستثمار في “التفرد الشخصي”. إن الابتكار الحقيقي لا ينبع من محاكاة الآخرين، بل من تقليل الفجوة بين التجربة الداخلية الخاصة للفرد وبين المنتج النهائي الذي يقدمه للعالم.
قتل الشخصية التقليدية لإعادة البعث – تجربة ديفيد بوي
طوال مسيرته الفنية الثرية، رفض أسطورة الموسيقى ديفيد بوي أن يكرر النمط الموسيقي الذي حقق له النجاح التجاري وإعجاب الملايين. كان بمجرد أن يستوعب الجمهور شخصيته الفنية ويستقر نجاحها، يقوم بإلغائها تمامًا وخلق شخصية استعراضية وموسيقية جديدة كليًا.
كان بوي يعلم أن البقاء في منطقة الأمان واستخلاص أرباح النجاحات القديمة يقتل الروح الخلاقة. واجه بوي مخاطر فقدان قاعدة جماهيرية واسعة مع كل تحول، لكن التزامه الصادق بتعبيراته الداخلية ورؤيته المتجددة هو ما جعل منه أيقونة إبداعية عبر العقود، لا يمكن محاكاتها.
“الهدف ليس أن تكون مختلفًا لمجرد الاختلاف، بل أن تكون صادقًا مع نفسك، وهذا وحده يجعلك مختلفًا تلقائيًا.”
يوضح جودكينز أن الاختلاف المصنوع للتفاخر يسهل كشفه ويكون زائفًا، بينما الأصالة النابعة من قبول هويتك، بعيوبها وتناقضاتها واهتماماتك الخاصة، هي التي تصنع نسيجًا فريدًا لا يستطيع أحد منافستك فيه.
تكتيكات استخراج أصالتك الفردية
- اكتشف اهتماماتك الخاصة: اكتب قائمة بالأشياء أو الاهتمامات التي تحبها ولكنك تتجنب الحديث عنها لأنها لا تعجب الأغلبية، وفكر كيف تدمجها في عملك.
- ارفض مسارات التقليد: عندما تبدأ مشروعًا جديدًا، لا تدرس المنافسين لتقليد أفضل ما لديهم، بل ادرسهم لتعرف ما الذي “لا يفعلونه” لتفعله أنت.
- ثق بنبرتك الصريحة: عبر عن آرائك المهنية بشجاعة ودون مواربة؛ الصدق والتعبير المباشر يجذبان دائمًا الأنظار في بيئات العمل الرتيبة.
الفعل قبل الإلهام والإنتاجية المستمرة
كم مرة أجلت البدء في مشروع لأنك تنتظر “لحظة الشغف”؟ تجلس منتظرًا شعلة الإلهام المفاجئة التي تهبط عليك من السماء لتمنحك الفكرة العظيمة. لكن علم النفس المعرفي يثبت عكس ذلك تمامًا عبر مفهوم “الإدراك المرتبط بالحركة”؛ أي أن السلوك المادي والفعل المباشر يسبقان ويحفزان الحالة الذهنية.
إن البدء في ممارسة العمل، حتى لو كان عشوائيًا أو دون خطة مكتملة، يثير دوائر التحفيز في الدماغ، مما يجلب التركيز ويدخل الفرد في حالة التدفق الذهني (Flow State). الإلهام هو نتيجة ثانوية للممارسة والعمل، وليس شرطًا أوليًا للبدء.
مصنع بيكاسو الإبداعي – 50 ألف عمل فني
يُعتبر الرسام بابلو بيكاسو أحد أكثر الفنانين غزيرة في الإنتاج عبر التاريخ البشري. على مدار مسيرته التي امتدت لعقود، أنتج بيكاسو أكثر من 50,000 عمل فني تنوعت بين لوحات زيتية، منحوتات، وأعمال خزفية.
لم يكن بيكاسو يعتمد على مزاجه اليومي أو ينتظر الرغبة في العمل. كان يدخل مرسمه كل صباح في وقت محدد ويشرع في العمل فورًا دون تردد.
كان يعلم أن معظم الأفكار التي سيبدأ بها قد تكون عادية، ولكن الحركة المستمرة هي التي ستولد الفكرة العظيمة التالية. وكان يردد دائمًا مقولته الشهيرة:
“الإلهام موجود، ولكنه يجب أن يجدك وأنت تعمل”.
خطة العمل – كيف تتغلب على شلل البدء؟
- قاعدة الـ 5 دقائق: عندما تشعر بالتسويف تجاه مهمة تتطلب تفكيرًا، التزم بالعمل عليها لمدة 5 دقائق فقط. بمجرد أن تبدأ، ستزول المقاومة الذهنية وتستمر.
- فصل الإنتاج عن التقييم: أثناء وضع الأفكار الأولى، أوقف الناقد الداخلي تمامًا. أنتج أكبر كمية ممكنة دون الحكم عليها، ثم خصص مرحلة لاحقة لتنقيتها.
- الالتزام بالطقوس اليومية: حدد وقتًا ومكانًا ثابتين يوميًا للممارسة الإبداعية (سواء كانت كتابة، برمجة، أو تخطيط) واجعل الحضور والعمل غير قابلين للنقاش.
الخلاصة – الإبداع كقرار يومي
في نهاية هذه الرحلة الفكرية داخل كتاب رود جودكينز، ندرك أن “فن التفكير الإبداعي” ليس دليلاً للرسم أو الكتابة فحسب، بل هو دليل كامل لإعادة هيكلة نظرتنا للواقع. (وإذا أردت معرفة كيف تُبنى بيئة إبداعية متكاملة داخل المنظمات وفرق العمل، أدعوك للاطلاع على ملخص كتاب شركة الإبداع لمؤسس بيكسار إد كاتمول).
إن الدروس الجوهرية التي يقدمها الكتاب تتلخص في أربع نقاط أساسية:
- الجرأة على التشكيك في المسلّمات وكسر الأنماط الثابتة.
- النظر إلى الأخطاء والفشل كمختبرات مجانية لاكتشاف غير المتوقع.
- دمج الخبرات المتنوعة واستغلال القيود كوقود حقيقي للحلول.
- الإخلاص لتفردك الذاتي، وممارسة التنفيذ الفوري دون انتظار إلهام خارجي.
الإبداع ليس احتفالاً بلحظة تجلٍّ نادرة، بل هو قرار شجاع تتخذه كل صباح لترفض الجمود، وترى في كل عائق فرصة، وفي كل خطأ بداية لقصة نجاح لم تُكتب بعد. لا تنتظر أن يتغير العالم من حولك؛ غير زاوية رؤيتك له، وسيتكفل عقلك المبدع بإعادة رسمه.
أسئلة شائعة حول التفكير الإبداعي والابتكار
هل التفكير الإبداعي مهارة يمكن اكتسابها أم أنه موهبة فطرية؟
التفكير الإبداعي هو مهارة ذهنية مكتسبة تمامًا كأي مهارة رياضية أو تحليليّة. رغم وجود فروق فردية، إلا أن الدراسات في علم النفس المعرفي تؤكد أن الإبداع يعتمد على ممارسات يومية مثل كسر الروتين، والربط بين المجالات المختلفة، وإعادة تأطير المشكلات، وهي سلوكيات يمكن لأي شخص تدريب عقله عليها وتحسينها مع الوقت.
كيف أستطيع التغلب على الخوف من الفشل أثناء العمل على أفكار جديدة؟
يمكنك التغلب على الخوف من الفشل من خلال تغيير النظرة النفسية للخطأ؛ فبدلاً من اعتبار الفشل نتيجة نهائية حاسمة، تعامل معه كـ بيانات تجريبية غير متوقعة. قم بتفكيك المشروعات إلى تجارب صغيرة منخفضة المخاطر، وفكّر دائمًا في السؤال: “ما الذي تعلمته من هذه المحاولة ولم أكن لأعرفه بدونها؟”.
لماذا تُعتبر القيود والميزانيات المحدودة محفزًا للإبداع بدلاً من أن تكون عائقًا؟
لأن الخيارات غير المحدودة والوفرة تؤدي إلى ظاهرة شلل القرار وتشتيت الطاقة الذهنية. في المقابل، تفرض القيود (مثل ضيق الوقت أو الميزانية) حدودًا واضحة تجبر العقل على تركيز طاقته، وتفعيل التفكير الجانبي لإيجاد حيل مبتكرة وشديدة الكفاءة للالتفاف حول العوائق المتاحة.
ما هو “الإبداع التجميعي” وكيف أطبقه في حياتي المهنية؟
“الإبداع التجميعي” هو عملية دمج أفكار أو استراتيجيات من مجالين مختلفين تمامًا لإنشاء حل جديد. يمكنك تطبيقه عبر الخروج من حقل اختصاصك القريب، والقراءة في علوم بعيدة عن مجال عملك، ثم التفكير في كيفية تطبيق أدوات أو مفاهيم تلك العلوم البعيدة لحل المشكلات الراتبة في عملك اليومي.