حينما يصبح السكر أخطر من البارود

هل تعلم أن احتمالية موتك اليوم بسبب تناولك لوجبة سريعة مليئة بالسكريات تفوق بكثير احتمالية موتك في هجوم إرهابي أو ساحة معركة؟

لآلاف السنين، عاش البشر تحت رحمة ثلاثة أسياد قساة: المجاعة، والأوبئة، والحروب. كانت هذه القوى تعتبر غضبًا إلهيًا لا مفر منه، وكوابيس لا يمكن الاستيقاظ منها. ولكن في مطلع القرن الحادي والعشرين، استيقظت البشرية لتدرك حقيقة مذهلة: لقد قمنا بترويض هذه الوحوش. لم تختفِ تمامًا، لكنها تحولت من “مآسٍ غير مفهومة” إلى “تحديات تقنية قابلة للإدارة”.

في كتابه الجريء “الإنسان الإله”، يرسم المؤرخ والفيلسوف يوفال نوح هراري خارطة الطريق لما بعد هذه المرحلة. الفكرة الجوهرية للكتاب صادمة ومثيرة: بعد أن أمّن الإنسان بقاءه، لن يكتفي بالراحة؛ فطبيعة البشر تدفعهم دائمًا لطلب المزيد. الأجندة الجديدة للبشرية هي ترقية الإنسان العاقل (Homo Sapiens) إلى الإنسان الإله (Homo Deus)، سعيًا وراء الخلود، والسعادة الأبدية، والألوهية التقنية.

هذا الملخص سيأخذك في رحلة لاستكشاف كيف يمكن لهذا الطموح أن ينهي عصر الإنسانية كما نعرفه، ويسلم المفاتيح لخوارزميات لا تملك وعيًا لكنها تملك ذكاءً خارقًا.

الأجندة البشرية الجديدة – من البقاء إلى الألوهية

تاريخيًا، تمحورت حياة الإنسان حول هدف واحد بسيط ولكنه شاق: الحفاظ على الحياة وتجنب الموت المبكر. كانت المؤسسات البشرية، من حكومات وأنظمة طبية، تعمل كدرع وقاية ضد الأخطار الطبيعية. ولكن، مع النجاح الباهر الذي حققناه في خفض معدلات الوفيات والسيطرة على الأوبئة، تغيرت المعادلة النفسية والبيولوجية للبشر. النجاح يولد الطموح، والاكتفاء بمجرد “البقاء على قيد الحياة” لم يعد كافيًا.

نحن الآن بصدد استبدال أجندة “الكفاح من أجل البقاء” بأهداف جديدة وجريئة لم يجرؤ أحد على الحلم بها سوى في الأساطير:

  1. الخلود: محاولة التغلب على الموت نهائياً باعتباره “عطلاً تقنياً” في الجسد يمكن إصلاحه، وليس قدراً محتوماً.
  2. السعادة الأبدية: التحول من السعي وراء الرضا الخارجي إلى هندسة السعادة الداخلية عبر التلاعب بالكيمياء الحيوية للدماغ.
  3. الألوهية: منح البشر قدرات خارقة (جسدية وذهنية) كانت حكراً على الآلهة المتخيلة.

القصة والواقع – مفارقة الموت الحديث

يستخدم هراري مفارقة صارخة لتوضيح هذا التحول الجذري في الواقع البشري، حيث يقول:

“اليوم، يموت عدد أكبر من الناس بسبب الأكل الزائد مقارنة بمن يموتون من الجوع، ويموت عدد أكبر بسبب الانتحار مقارنة بمن يموتون بسبب الجنود والإرهابيين ومجرمي الحرب مجتمعين”.

تخيل شخصًا في العصور الوسطى يخرج من كوخه وهو يرتجف خوفًا من الموت بسبب طعنة رمح من غازٍ غريب، أو بسبب عدوى الطاعون التي لا علاج لها. قارن هذا الشخص بالإنسان المعاصر الذي يجلس في مكتب مكيف، وأكبر مخاوفه الصحية هي ارتفاع الكوليسترول بسبب الرفاهية، أو الشعور بالاكتئاب والملل الوجودي.

في الماضي، كان العلاج يهدف لـ “جبر المكسور” (علاج المرضى ليعودوا لحالتهم الطبيعية). أما اليوم، فالعلم يتجه نحو “ترقية الأصحاء”. انظر إلى عمليات التجميل، والمنشطات الذهنية، وتقنيات مكافحة الشيخوخة التي يمولها أثرياء وادي السيليكون مثل “بيتر ثيل” وشركة “جوجل“. الهدف لم يعد طبياً بحتاً، بل أصبح مشروعاً لهندسة “سوبر مان” جديد.

الأثر والدرس المستفاد

هذا السعي المحموم نحو الألوهية ليس مجانيًا، ويحمل في طياته بذور عدم المساواة البيولوجية.

خطر الطبقية البيولوجية: في الماضي، كان الغني والفقير متساويين أمام الموت. أما في المستقبل، قد يتمكن الأغنياء من شراء “الحياة الممتدة” والقدرات الذهنية المحسنة، مما يخلق فجوة بيولوجية حقيقية بين طبقة “الآلهة” وطبقة البشر العاديين.

الدرس: التكنولوجيا التي نطورها لخدمتنا قد تعيد تشكيلنا بطرق لم نتوقعها. علينا أن نكون مستعدين لعواقب العبث بالشفرة الأساسية للحياة، لأن السعي للكمال قد يفقدنا إنسانيتنا.

قوة الواقع التخيلي – سر السيادة البشرية

لماذا يحكم البشر كوكب الأرض؟ لماذا نبني ناطحات السحاب ونسافر للفضاء بينما لا تزال قردة الشمبانزي تتنازع على ثمرة موز؟ الإجابة التقليدية هي “الذكاء”، لكن هراري يرفض ذلك. الفرد البشري ليس أذكى بكثير من الشمبانزي، ولو وُضعت وحيداً عارياً في الغابة مع قرد، فالقرد هو من سيفوز.

السر الحقيقي يكمن في “التعاون المرن بأعداد ضخمة”. النحل يتعاون بأعداد ضخمة لكنه يفتقد المرونة (لا يمكن للنحل تغيير نظامه الملكي ليصبح جمهورياً بين ليلة وضحاها). الذئاب تتعاون بمرونة لكن بأعداد صغيرة فقط. البشر هم الوحيدون الذين يجمعون بين الاثنين.

وهذا ممكن فقط لأننا نعيش في “واقع مزدوج”:

  1. واقع موضوعي: (أشجار، أنهار، أسود).
  2. واقع متخيل (بين-ذاتي): (شركات، أموال، حقوق إنسان، دول، آلهة).

تاريخ “العشب” (قصة توضحية)

يقدم هراري مثالاً رائعاً وبسيطاً لتوضيح كيف يشكل الخيال واقعنا المادي: “حدائق العشب”.

تاريخياً، في العصور الوسطى، كانت المساحة أمام القلعة تُستخدم للزراعة أو الرعي. ولكن في قصور الأرستقراطيين الفرنسيين والبريطانيين، ظهرت بدعة جديدة: مساحات خضراء من العشب القصير المشذب بعناية.

لماذا؟ لأن العشب لا قيمة له! لا يمكنك أكله، ولا بيعه، وتربيته تتطلب جهداً هائلاً، وعمالاً، وماءً. بالتالي، وجود حديقة عشب أمام قصرك كان رسالة اجتماعية قوية تقول: “أنا فاحش الثراء لدرجة أنني أملك أرضاً لا أنتج منها طعاماً، وأملك مالاً لتوظيف عمال فقط لجز العشب”.

انتقلنا للعصر الحديث، واليوم في ضواحي المدن الأمريكية والأوروبية، يكدح ملايين الناس من الطبقة المتوسطة لجز العشب أمام منازلهم كل أحد. لماذا؟ لأننا ورثنا “قصة” خيالية مشتركة تقول إن العشب المشذب هو دليل على الرقي، والنظام، والمكانة الاجتماعية، والسلام النفسي. العشب واقع مادي، لكن “قيمته” وضرورة وجوده هي واقع متخيل اتفقنا عليه جميعاً دون أن نتساءل عن السبب.

الأثر والدرس المستفاد

معظم ما نعتبره “حقائق صلبة” في حياتنا هي في الحقيقة قصص واتفاقيات بشرية:

  • الشركة التي تعمل بها هي كيان قانوني متخيل (لو مات كل الموظفين، الشركة تبقى موجودة على الورق).
  • المال هو أعظم قصة نجاح (ورقة لا قيمة لها بيولوجياً، لكن الجميع يؤمن بها).

الدرس: إدراكك لهذه الحقيقة يمنحك قوة هائلة. عندما تفهم أن الحدود، والقوانين الاجتماعية، والأنظمة الاقتصادية هي “قصص”، تصبح أكثر مرونة. يمكنك حينها التمييز بين الواقع البيولوجي الذي لا مفر منه، وبين الواقع الاجتماعي الذي يمكن تغييره أو إعادة كتابته.

البشر كخوارزميات بيولوجية – نهاية الإرادة الحرة

هذا هو القسم الأكثر إثارة للجدل في الكتاب. يجادل هراري بأنه من منظور علوم الحياة الحديثة، الكائن الحي ليس سوى مجموعة من الخوارزميات. الخوارزمية، ببساطة، هي “سلسلة منهجية من الخطوات الحسابية لحل مشكلة ما” (مثل وصفة الطبخ).

المشاعر الإنسانية التي نقدسها كالحب، الخوف، والغضب، ليست ظواهر روحية غامضة منزلة من السماء، بل هي خوارزميات تطورية معقدة طورتها الطبيعة عبر ملايين السنين لمساعدتنا على اتخاذ قرارات البقاء والتكاثر بسرعة فائقة. عندما ترى أسداً، لا تقوم بحساب سرعته والمسافة ورقياً؛ بل تشعر بـ “الخوف” (خوارزمية سريعة) فتهرب.

“إن الكائنات الحية هي خوارزميات، والخوارزميات لا تمثلها الحصى والأصداف فحسب، بل يمكن أن تمثلها أيضًا الإشارات الإلكترونية.”

(يزيل هذا الاقتباس الهالة المقدسة عن الإنسان ويساويه بالآلة. إذا كنا خوارزميات، والكمبيوتر خوارزميات، فلا يوجد مانع جوهري يمنع الكمبيوتر من محاكاتنا أو استبدالنا).

تجربة “الفئران الآلية”

لتوضيح هشاشة مفهوم “الإرادة الحرة” الذي نعتز به، يستعرض هراري تجارب علمية مرعبة ومذهلة تعرف بـ “الفئران الآلية”.

قام العلماء بزرع أقطاب كهربائية دقيقة في مراكز المكافأة والألم داخل أدمغة الفئران. هذه الأقطاب يمكن التحكم بها عن بعد مثل سيارة لعبة.

  • عندما يريد العالم من الفأر أن يتجه يميناً، يضغط زراً يرسل إشارة تحفيز لمركز المتعة المرتبط باليمين.
  • الفأر لا يشعر بأنه مُجبر. على العكس، الفأر يشعر برغبة عارمة و”ذاتية” في الاتجاه يميناً.
  • بالنسبة للفأر، هو يمارس إرادته الحرة. هو يريد الذهاب لليمين. لكن في الحقيقة، رغبته تلك تمت صناعتها وتفعيلها بواسطة خوارزمية خارجية.

الأثر والدرس المستفاد

هذه التجارب تفتح الباب لسؤال مرعب: ما الفرق بيننا وبين تلك الفئران؟

إذا كانت خياراتنا في الحياة (من نتزوج، أي وظيفة نختار، لمن نصوت في الانتخابات) هي نتاج تفاعلات كيميائية حيوية في الدماغ، فإن التكنولوجيا التي يمكنها مراقبة هذه التفاعلات ستعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

الخطر العملي: نحن ندخل عصراً يمكن فيه اختراق البشر. الخوارزميات التي تتابع دقات قلبك وحركة عينك ونشاط دماغك ستتمكن من التنبؤ برغباتك، وبيع المنتجات لك، وتوجيه آرائك السياسية بدقة تجعل مفهوم “الاختيار الحر” مجرد وهم قديم.

النزعة الإنسانية كديانة – تقديس المشاعر

لقرون طويلة، عاش البشر في ظل أنظمة دينية ترى أن المعنى يأتي من الخارج. “الله قال ذلك”، “الكتاب المقدس يقول ذلك”، “الملك أمر بذلك”. الإنسان كان كائناً صغيراً يبحث عن الحقيقة خارج نفسه.

ولكن في العصر الحديث، ومع تراجع سلطة الدين التقليدي، لم نصبح ملحدين بلا قيم، بل اعتنقنا ديانة جديدة تسمى “النزعة الإنسانية”. العقيدة الأساسية لهذه الديانة الجديدة هي أن الإنسان هو مصدر المعنى والسلطة في الكون.

هراري يصيغ المعادلة الحديثة للمعرفة كالتالي:
المعرفة = التجارب + الحساسية.

بمعنى: لكي تعرف الحقيقة الأخلاقية لشيء ما، لا تبحث في كتاب مقدس، بل ابحث في “مشاعرك”. هل يؤذي أحداً؟ هل يشعرك بالرضا؟

القصة والمثال – من “إرادة الله” إلى “تجربة الجندي”

قارن كيف ننظر للحروب اليوم مقارنة بالماضي لتفهم هذا التحول:

  • في العصور الوسطى: لوحات المعارك تظهر الملوك والقادة ينظرون من فوق، والملائكة تبارك النصر. القصة تدور حول “إرادة الرب” و”مجد المملكة”. الجندي الفرد مجرد رقم.
  • في العصر الحديث: انظر لأي فيلم حرب حديث أو رواية. التركيز ينصب بالكامل على “تجربة الجندي”. الخوف، الطين، الدم، الرسائل التي يكتبها لحبيبته، الصدمة النفسية.

نحن نحكم على الحرب بأنها “سيئة” ليس لأنها تخالف الكتب المقدسة، بل لأنها تسبب “المعاناة” للأفراد. المشاعر الإنسانية (الألم والسعادة) أصبحت هي المقياس الأعلى للخير والشر.

وكذلك في الفن: قديماً كان الفن يتبع قواعد هندسية مقدسة. اليوم، لو وضعت “مبولة” في متحف (كما فعل مارسيل دوشامب) وقلت إنها فن، فهي فن طالما أنها حركت مشاعر الناس. المقولة السائدة أصبحت: “الجمال في عين الرائي”، و”استمع لقلبك”.

الأثر والدرس المستفاد

نحن نعيش في فقاعة تقدس المشاعر الفردية (“افعل ما يمليه عليك قلبك”). ولكن، هذا النظام القيمي مهدد بالانهيار التام.

لماذا؟ لأننا في القسم السابق اكتشفنا أن المشاعر هي خوارزميات قابلة للاختراق.

الدرس: بمجرد أن تصبح شركات مثل جوجل وفيسبوك وأمازون قادرة على فهم مشاعرك والتلاعب بها أفضل منك، ستفقد “سلطة القلب”. لن يعود لقولك “أنا أشعر بذلك” أي وزن، لأن الخوارزمية ستقول لك: “أنا أعرف أنك تشعر بذلك، وأعرف السبب البيوكيميائي، وأعرف أنك مخطئ، وإليك الخيار الأفضل لك”.

انفصال الذكاء عن الوعي – صعود “الطبقة عديمة الفائدة”

ساد اعتقاد رومانسي قديم بأن الذكاء العالي (القدرة على حل المشاكل المعقدة) يتطلب بالضرورة وجود وعي (القدرة على الشعور بالألم، الحب، الغضب، والحزن). كنا نظن أنه لكي يلعب الكمبيوتر الشطرنج ببراعة، يجب أن “يرغب” في الفوز.

لكن التطور التكنولوجي أثبت خطأ ذلك بشكل قاطع. نحن الآن نطور نوعاً جديداً من الذكاء: ذكاء بلا وعي. الذكاء هو القدرة على تحقيق الأهداف، والوعي هو القدرة على الشعور. واليوم، الخوارزميات تثبت أنها قادرة على التفوق على البشر في الذكاء (الطب، القيادة، الأسواق المالية) دون أن تمتلك ذرة واحدة من الوعي أو المشاعر.

السيارة ذاتية القيادة و “ألفا غو”

خذ مثال السيارات ذاتية القيادة. سائق التاكسي البشري يملك وعياً: هو يستمتع بالموسيقى، ويغضب من السائقين الآخرين، ويقلق بشأن أطفاله. لكن، هل نحتاج لكل هذا الوعي لكي يقود السيارة؟ لا.

السيارة ذاتية القيادة لا تحتاج أن “تخاف” من الموت لتتجنب الحوادث، ولا تحتاج أن “تحترم” القانون أخلاقياً. هي فقط تحتاج لمعالجة بيانات الطريق، والسرعة، والمسافات بدقة وسرعة تفوق أي دماغ بشري.

في سوق العمل، النظام الاقتصادي لا يدفع لك مقابل “وعيك” ومشاعرك، بل يدفع مقابل “ذكائك” وقدرتك على إنجاز المهام. وبما أن الخوارزميات أذكى، وأرخص، ولا تمرض، ولا تطلب إجازات، فإنها ستحل محل البشر.

وهنا يطرح هراري السؤال الأكثر رعباً في الكتاب:

“السؤال الأكثر أهمية في اقتصاد القرن الحادي والعشرين قد يكون: ما الذي يجب أن نفعله بكل هؤلاء البشر الفائضين عن الحاجة؟”

(الشرح: الخطر ليس استغلال البشر كما في القرن العشرين، بل “تهميشهم”. أن تصبح غير ذي صلة هو أسوأ من أن تكون مستغلاً).

الأثر والدرس المستفاد

نحن نواجه خطر ظهور “الطبقة عديمة الفائدة”. ملايين من البشر الذين لن يجدوا عملاً، ليس بسبب الكساد، بل لأنهم لا يملكون أي مهارة تتفوق فيها على الذكاء الاصطناعي.

الدرس: الأمان الوظيفي والتعليم التقليدي الذي يركز على الحفظ والتلقين قد انتهى. المهارة الوحيدة التي ستحميك في المستقبل هي “المرونة الذهنية” والقدرة على إعادة اختراع نفسك مراراً وتكراراً كل عشر سنوات لتبقى سابقاً للآلة بخطوة واحدة.

عصر الديانة البيانية (Dataism) – ذوبان الفرد في النظام

يختتم هراري كتابه برؤية مستقبلية لظهور ديانة أو أيديولوجية جديدة تزيح النزعة الإنسانية، يسميها “الديانة البيانية” (Dataism).

هذه النظرة ترى أن الكون كله ليس سوى منظومة ضخمة لتدفق البيانات. الكائنات الحية (البشر) هي خوارزميات بيولوجية لمعالجة البيانات، والآلات هي خوارزميات إلكترونية.

وفقاً لهذه الديانة، القيمة الوحيدة لأي شيء (إنسان، تجربة، فكرة) تقاس بمقدار مساهمته في معالجة البيانات.

  • الإنسان العاقل كان “شريحة” جيدة لمعالجة البيانات لآلاف السنين.
  • لكننا الآن أصبحنا معالجات قديمة وبطيئة مقارنة بالخوارزميات الإلكترونية.

الهدف الأسمى للديانة البيانية هو دمج كل شيء في “إنترنت كل الأشياء“، بحيث تتدفق المعلومات بحرية تامة دون أي عوائق (مثل الخصوصية).

“إذا لم تشاركها، هل حدثت حقاً؟”

تأمل سلوك الناس اليوم لتدرك أن الديانة البيانية قد بدأت بالفعل. قديماً، كان الإنسان يكتب مذكرات سرية لا يقرؤها أحد (يقدس تجربته الداخلية).

اليوم، انظر للناس في الإجازات أو الحفلات الموسيقية. بدلاً من الانغماس في التجربة والاستمتاع بها، ينشغلون بالتقاط الصور والفيديوهات لمشاركتها فوراً.

لماذا هذا القلق الغريب؟ لأننا، ودون وعي، بدأنا نؤمن بأن التجربة لا تكتسب “معنى” حقيقياً إلا إذا تحولت لبيانات وتمت مشاركتها مع النظام العالمي.

الشعور الداخلي لم يعد كافياً. يجب أن تتحول المشاعر إلى “بيانات” (لايكات، تعليقات، مشاهدات) لكي تصبح حقيقية. نحن نتحول طواعية من كائنات ذات سيادة إلى “أطراف توصيل” داخل شبكة معلومات عملاقة.

وينتهي هذا المسار بتحقق نبوءة هراري القائلة:

“بدأ التاريخ حين ابتكر البشر الآلهة، وسينتهي حين يصبح البشر آلهة.”

(الشرح: البشر بدؤوا بخلق قصص عن الآلهة للسيطرة على العالم، والآن يحاولون دمج أنفسهم مع التكنولوجيا ليصبحوا آلهة خالدين، ولكن الثمن قد يكون ذوبانهم التام في بحر من البيانات وفقدانهم لهويتهم البشرية).

الأثر والدرس المستفاد

الخطر الأكبر في عصر البيانات هو فقدان الخصوصية والذاتية.

نحن نتنازل طواعية عن أسرارنا لشركات التكنولوجيا مقابل خدمات أفضل (خرائط دقيقة، تشخيص طبي، توصيات أفلام).

الدرس: “الديانة البيانية” لا تعادي الإنسان، هي فقط لا تراه مهماً بما يكفي. لكي تقاوم الذوبان في النظام، عليك أن تدرك أهمية “الانفصال”. حافظ على مساحات في حياتك وعقلك لا تصل إليها الشبكة، لأن تلك المساحات المعزولة هي آخر معاقل إنسانيتك الحرة.

الخلاصة – هل نحن مستعدون للنهاية؟

في “الإنسان الإله”، يأخذنا يوفال نوح هراري في رحلة تبدأ بانتصار الإنسان على الطبيعة وتنتهي باحتمالية هزيمته أمام اختراعاته. لقد تعلمنا أن قوتنا تكمن في خيالنا الجماعي، وأن مشاعرنا هي خوارزميات بيولوجية، وأن سعينا للألوهية قد يحولنا إلى فائض بشري في عالم تديره البيانات.

الرسالة النهائية للكتاب ليست نبوءة حتمية، بل هي تحذير استراتيجي. المستقبل الذي يصفه هراري هو المستقبل الذي سيحدث إذا لم نفعل شيئاً لتغييره. يتركنا الكتاب أمام المرآة لنسأل أنفسنا:

هل نريد حقاً عالماً يتسم بذكاء فائق ولكن بلا وعي؟ وهل نحن مستعدون للتخلي عن إنسانيتنا مقابل الخلود؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد شكل قرننا القادم.

Click to rate this post!
[Total: 0 Average: 0]