هل تعتقد حقاً أنك سيد قراراتك؟ عندما تختار قهوتك الصباحية، أو تشتري سيارة جديدة، أو حتى تقرر شريك حياتك، هل تتخذ هذه القرارات بناءً على تحليل منطقي دقيق للمنافع والتكاليف؟ أم أن هناك “قبطاناً” آخر يوجه دفة عقلك دون علمك؟

في كتابه الرائد “توقع لا عقلاني”، يأخذنا أستاذ علم النفس والاقتصاد السلوكي دان أرييلي في رحلة صادمة داخل العقل البشري، ليحطم الفرضية الاقتصادية التقليدية التي تدعي أن البشر كائنات عقلانية تسعى لتحقيق مصالحها بمنطقية تامة. الفكرة الجوهرية التي يطرحها الكتاب ليست فقط أننا نرتكب أخطاءً، بل أن عقلانيتنا ليست عشوائية، بل هي منهجية ومتكررة ويمكن التنبؤ بها.

هذا الملخص لن يقدم لك مجرد نظريات جافة، بل سيمنحك عدسة جديدة ترى بها العالم، كاشفاً الفخاخ الذهنية التي تقع فيها يومياً، وكيف يمكنك تجنبها لاستعادة السيطرة على حياتك. وكما يقول أرييلي في أحد أقوى اقتباسات الكتاب:

“غالباً ما نعتقد أننا نجلس في مقعد السائق، نتحكم بقراراتنا ومسار حياتنا؛ ولكن للأسف، هذا التصور له علاقة برغباتنا وكيف نريد أن نرى أنفسنا أكثر مما له علاقة بالواقع.”

يستخدم المؤلف هذا التشبيه ليضعنا أمام حقيقة متواضعة: نحن محاطون بقوى بيئية ونفسية خفية “تقود” قراراتنا نيابة عنا، ووهم السيطرة هو أول ما يجب علينا التخلي عنه لنفهم أنفسنا.

حقيقة النسبية – فخ المقارنة السهلة

يعاني العقل البشري من عجز جوهري في تقييم القيمة المطلقة للأشياء. نحن لا نمتلك “عداداً داخلياً” يخبرنا بكم تساوي الأشياء حقاً. على سبيل المثال، نحن لا نعرف ما إذا كانت سيارة بست أسطوانات تستحق 40 ألف دولار أم لا إلا إذا رأينا سيارة أخرى بأربع أسطوانات بسعر مقارب. لكي نتخذ قراراً، نحن مجبولون بيولوجياً على البحث عن سياق للمقارنة، ونحن نفضل دائماً المقارنات السهلة التي لا تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً.

تستغل الشركات والمسوقون ببراعة هذا الضعف الإدراكي عبر ما يُعرف بـ “تأثير الشرك”. وتعتمد هذه الحيلة النفسية على تقديم خيار ثالث إضافي (الشرك) لا يستهدف البائع بيعه إطلاقاً، بل يتم وضعه خصيصاً ليجعل أحد الخيارات الأخرى يبدو وكأنه “صفقة العمر”. وجود هذا الخيار يغير المعادلة من “هل أحتاج هذا المنتج؟” إلى “أي الخيارين أفضل مقارنة بالآخر؟”.

لغز مجلة الإيكونوميست

يروي دان أرييلي قصة اكتشافه لهذا المبدأ حين وقعت عيناه على إعلان اشتراك غريب في موقع مجلة “الإيكونوميست”. العرض كان مقدماً بثلاثة خيارات حيرت عقله في البداية:

  • الخيار الأول: اشتراك إلكتروني فقط مقابل 59 دولاراً.
  • الخيار الثاني: اشتراك ورقي فقط مقابل 125 دولاراً.
  • الخيار الثالث: اشتراك (ورقي + إلكتروني) مقابل 125 دولاراً.

للوهلة الأولى، يبدو الخيار الثاني (الورقي فقط) غير منطقي، وربما اعتقد البعض أنه خطأ مطبعي. فمن ذا الذي سيدفع 125 دولاراً للنسخة الورقية وحدها، بينما يمكنه الحصول على النسخة الورقية والإلكترونية معاً بنفس السعر تماماً؟ لكن أرييلي، بصفته باحثاً، أدرك أن هناك لعبة خفية.

لإثبات فرضيته، أجرى تجربة على 100 من طلاب كلية الإدارة في MIT.
في المرحلة الأولى، عرض عليهم الخيارات الثلاثة كما هي. اختار 84% من الطلاب الخيار الثالث (المزدوج)، بينما اختار 16% الخيار الأول (الإلكتروني)، ولم يختر أحد الخيار الثاني (الشرك). بدا الخيار الثالث وكأنه “سرقة” أو صفقة مجانية لا تفوت.

في المرحلة الثانية، قام أرييلي بحذف الخيار الثاني (الشرك) من القائمة، وعرض على مجموعة أخرى الخيارين المتبقيين فقط: (إلكتروني بـ 59 دولاراً) و(مزدوج بـ 125 دولاراً). هنا حدث الانقلاب الدرامي.
تحول 68% من الطلاب لاختيار العرض الأرخص (الإلكتروني)، وانخفضت نسبة اختيار العرض المزدوج إلى 32% فقط.
لقد أثبتت التجربة أن الخيار “الشرك” (الورقي فقط) لم يكن عديم الفائدة، بل كان هو المحرك الأساسي الذي دفع الغالبية لإنفاق مال أكثر لشراء العرض الأغلى، فقط لأنه جعل المقارنة تبدو سهلة ومربحة.

كيف تحمي خياراتك؟

يمتد هذا الدرس ليشمل كل جوانب حياتنا، من شراء المنازل إلى اختيار شريك الحياة. نحن غالباً ما نقارن وظيفتنا الحالية، أو سيارتنا، أو حتى علاقاتنا بما هو متاح ومجاور وسهل المقارنة، وليس بناءً على معاييرنا الخاصة.

الدرس المستفاد: عندما تجد نفسك أمام خيارات متعددة، خاصة إذا كان أحدها يبدو مشابهاً للآخر ولكنه أسوأ منه قليلاً (الشرك)، توقف فوراً. حاول أن تخرج الخيار “الشرك” من المعادلة ذهنياً.

اسأل نفسك: “لو كان هذا الخيار السيء غير موجود، هل كنت سأختار المنتج الأغلى؟”. تعلم أن تعزل الخيارات وتقيمها بناءً على حاجتك الفعلية وقيمتها الذاتية، لا بناءً على مدى جاذبيتها مقارنة بخيار سيء تم وضعه بجوارها عمداً.

مغالطة العرض والطلب – سحر الإرساء الذهني

في علم الاقتصاد التقليدي، نفترض أن أسعار السلع تتحدد بناءً على قانون العرض والطلب. لكن أرييلي يقدم مفهوم “الإرساء” ليثبت أن الأسعار غالباً ما تكون نتيجة لقراراتنا الأولية العشوائية التي تتحول إلى عادات طويلة الأمد. يستعير المؤلف مصطلح “التطبع” من عالم الطبيعة كونراد لورنز، الذي اكتشف أن صغار الإوز تتعلق بأول كائن متحرك تراه بعد الفقس وتتبعه للأبد، سواء كان أمها أو لورنز نفسه.

وبالمثل، نحن كبشر نمر بعملية “تطبع” مع الأسعار. السعر الأول الذي نراه لمنتج جديد يصبح “المرساة” التي نقيس عليها مدى عدالة أو غلاء أي سعر مستقبلي لنفس المنتج. الغريب في الأمر هو ما يسميه أرييلي “التماسك التعسفي”؛ فالمرساة الأولية قد تكون عشوائية تماماً (رقم نرد، أو تاريخ ميلاد)، لكن بمجرد أن تترسخ في أذهاننا، تصبح جميع قراراتنا التالية متماسكة ومنطقية بالنسبة لتلك المرساة العشوائية.

أرقام الضمان الاجتماعي والنبيذ

لإثبات مدى هشاشة تقييمنا للأسعار وقوة تأثير الأرقام العشوائية، أجرى أرييلي وزملاؤه تجربة مذهلة وتعد من كلاسيكيات الاقتصاد السلوكي. جمع عدداً من طلاب ماجستير إدارة الأعمال وعرض عليهم مجموعة من السلع غير المعتادة (نبيذ فاخر، لوحة مفاتيح لاسلكية، كتب تصميم، شوكولاتة بلجيكية).

طلب من كل طالب أن يكتب آخر رقمين من رقم ضمانه الاجتماعي (SSN) كسعر لهذه السلع. (مثلاً، إذا كان آخر رقمين 89، يكتب الطالب: هل أقبل شراء هذا النبيذ بـ 89 دولاراً؟ نعم أم لا).
بعد الإجابة بنعم أو لا، طُلب من الطلاب تقديم عطاءاتهم الحقيقية والقصوى لشراء هذه المنتجات في مزاد فعلي.

كانت النتائج صاعقة للعقل المنطقي. الطلاب الذين كانت أرقام ضمانهم تنتهي بأرقام مرتفعة (بين 80 و99) قدموا عطاءات أسعار أعلى بنسبة تتراوح بين 216% و346% مقارنة بالطلاب الذين انتهت أرقام ضمانهم بأرقام منخفضة (بين 00 و20).

على سبيل المثال، الطلاب ذوو الأرقام المنخفضة دفعوا متوسط 16 دولاراً لزجاجة النبيذ، بينما الطلاب ذوو الأرقام المرتفعة دفعوا متوسط 55 دولاراً لنفس الزجاجة!
لقد تحولت أرقام الضمان الاجتماعي العشوائية، التي لا علاقة لها بالنبيذ ولا بجودته، إلى “مرساة” حددت القيمة المالية التي يستحقها المنتج في عقول أذكى الطلاب.

شكك في عاداتك

توضح هذه الظاهرة لماذا نتمسك بعادات شرائية معينة. خذ مثال “القهوة”. إذا كانت مرساتك الأولى هي القهوة الرخيصة من متجر محلي، فستجد “ستاربكس” باهظاً بشكل جنوني. ولكن إذا دخلت “ستاربكس” وتطبعت بأسعاره وجوه (باعتباره تجربة مختلفة)، فستنشأ مرساة جديدة، وسيصبح دفع 5 دولارات أمراً طبيعياً.

الدرس هنا: راجع فواتيرك الشهرية وعاداتك المتكررة. هل تدفع اشتراكاً في نادٍ رياضي، أو تشرب نوعاً معيناً من المشروبات، أو تشتري ماركة ملابس محددة لأنها تستحق ذلك فعلاً؟ أم لأنك اتخذت قراراً عشوائياً في الماضي ورسخت السعر في عقلك ولم تشكك فيه قط؟ كن مستعداً لـ “رفع المرساة” وإعادة تقييم مشترياتك من الصفر، وكأنك تشتريها لأول مرة.

كلفة الصفر – لماذا يعتبر “المجان” أغلى مما نظن؟

يعتقد معظمنا أن الفرق بين سعر “سنت واحد” وسعر “صفر” هو فرق حسابي بسيط وضئيل جداً. لكن علم الاقتصاد السلوكي يكشف أن “الصفر” ليس مجرد سعر، بل هو فئة مختلفة تماماً من المعاملات البشرية. في عالم الاقتصاد، نحن نحسب التكلفة مقابل المنفعة. ولكن بمجرد ظهور كلمة “مجاني”، تتعطل الآلة الحاسبة في رؤوسنا وتتولى العواطف القيادة.

السبب العلمي وراء ذلك هو ما يسمى “النفور من الخسارة”. في أي صفقة شراء عادية، هناك مخاطرة (قد لا يعجبني المنتج، سأخسر المال). ولكن عندما يكون الشيء مجانياً، فإننا ندرك فوراً أنه لا توجد إمكانية للخسارة. هذا الشعور بالأمان المطلق يولد حماساً غير عقلاني، ما يدفعنا لاختيار سلع لا نريدها حقاً، أو التخلي عن صفقات أفضل بكثير فقط لأننا منجذبون لسحر “الصفر”. وهنا يذكر أرييلي:

“الصفر ليس مجرد خصم في السعر. الصفر هو زر عاطفي ساخن.”

معركة الشوكولاتة (ليندت ضد هيرشي)

أقام أرييلي كشكاً لبيع الشوكولاتة، وقدم للزبائن خيارين:

  • شوكولاتة “ليندت” (Lindt) السويسرية الفاخرة جداً بسعر 15 سنتاً (وهو سعر يمثل صفقة مذهلة لأنها تباع عادة بدولارات).
  • شوكولاتة “هيرشي” (Hershey’s) العادية بسعر 1 سنت.

في هذا السيناريو، تصرف الناس بعقلانية كبيرة. قام 73% باختيار شوكولاتة “ليندت” الفاخرة، لأنهم حسبوا الفارق في الجودة مقابل السعر البسيط.
ثم قام أرييلي بتغيير بسيط: خفض سعر كلا النوعين بمقدار “سنت واحد” فقط.

  • أصبحت “ليندت” بسعر 14 سنتاً.
  • أصبحت “هيرشي” بسعر 0 سنت (مجاناً).

منطقياً، الفارق السعري بينهما لا يزال كما هو (14 سنتاً)، والجودة لم تتغير، وبالتالي يجب أن تظل التفضيلات كما هي. ولكن ما حدث كان انقلاباً تاماً. انخفض الطلب على الشوكولاتة الفاخرة بشكل حاد، واختار 69% من الناس الشوكولاتة العادية “هيرشي” فقط لأنها مجانية.

لقد تخلوا عن فرصة تذوق شوكولاتة فاخرة بسعر بخس جداً، وفضلوا شوكولاتة أقل جودة بكثير، مدفوعين بقوة الجذب السحرية لكلمة “مجاناً“.

احذر من تكلفة الفرصة البديلة

تأثير “الصفر” لا يظهر فقط في الشوكولاتة، بل نراه في طوابير الانتظار الطويلة للحصول على عينة طعام مجانية تافهة، أو في العروض الحكومية “المجانية” التي قد تكون أقل كفاءة. “المجان” يعمينا عن رؤية التكلفة الحقيقية، وهي وقتنا وجهدنا وجودة ما نحصل عليه.

الدرس هنا: في المرة القادمة التي يغريك فيها عرض “اشترِ واحداً واحصل على الثاني مجاناً”، أو “شحن مجاني” بشرط زيادة مشترياتك، توقف واسأل: “هل كنت سأشتري هذا الغرض لو لم يكن مجانياً؟”. غالباً ما يكون العرض المجاني هو الخيار الأغلى على المدى الطويل لأنه يملأ حياتك بأشياء لا تحتاجها ويصرفك عما تريده حقاً.

الأعراف الاجتماعية مقابل أعراف السوق – عالمان لا يلتقيان

يقترح أرييلي أننا نعيش في عالمين متوازيين تحكمهما مجموعتان مختلفتان تماماً من القوانين:

  • عالم الأعراف الاجتماعية: وهو دافئ وضبابي، حيث نتبادل الخدمات بدافع الحب، الصداقة، والواجب المجتمعي. هنا، لا ننتظر مقابلاً فورياً (مثل مساعدة جارك في حمل الأريكة).
  • عالم أعراف السوق: وهو عالم بارد، دقيق، ومحسوب. هنا، الخدمات تُقدم مقابل الأجور، والكلمة الفصل هي “كم تدفع لي؟”.

المشكلة الكبرى والمأساة تحدث عندما نخلط بين هذين العالمين. البشر قادرون على العمل بجد في ظل أي من النظامين، لكن المزج بينهما يؤدي إلى كوارث. بمجرد إدخال المال (سوق) في علاقة اجتماعية، تتدمر تلك العلاقة فوراً وتختفي الدوافع المعنوية، والأسوأ من ذلك أن العودة للوراء تصبح مستحيلة؛ فالعلاقة الاجتماعية التي تحولت إلى سوقية يصعب ترميمها.

كارثة مركز رعاية الأطفال

أجرى باحثون تجربة ميدانية في مركز لرعاية الأطفال في إسرائيل. كانت المشكلة المعتادة هي تأخر بعض الآباء في الحضور لاستلام أطفالهم بعد انتهاء الدوام، مما يجبر المعلمين على البقاء لوقت إضافي.
في البداية، كان الالتزام بالوقت محكوماً بـ الأعراف الاجتماعية؛ فالآباء يحاولون الحضور في الوقت المحدد لأنهم يشعرون بالذنب تجاه المعلمين ويحترمون وقتهم.

قررت إدارة المركز فرض “غرامة مالية” بسيطة على الآباء الذين يتأخرون، ظناً منهم أن العقوبة المالية ستردع المخالفين. كانت النتيجة عكسية ومذهلة: زاد عدد الآباء المتأخرين بدلاً من أن ينقص!

لماذا؟ لأن الغرامة نقلت الموقف من “عقد اجتماعي” (لا يصح أن أتأخر أخلاقياً) إلى “عقد سوقي” (أنا أدفع مقابل خدمة الوقت الإضافي). لقد اشترى الآباء حق التأخر بالمال، وزال شعورهم بالذنب.

وعندما أدرك المركز الخطأ وقام بإلغاء الغرامة بعد بضعة أسابيع، لم يعد الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، بل ارتفعت نسبة التأخير أكثر. لقد دمرت الغرامة العرف الاجتماعي، وعندما أُلغيت الغرامة (السوق)، بقي الآباء يتأخرون ولكن “مجاناً” هذه المرة.

إدارة العلاقات والتحفيز

هذا المفهوم يفسر لماذا قد يشعر صديقك بالإهانة إذا عرضت عليه مالاً مقابل طهيه عشاءً رائعاً، بينما يسعد جداً إذا أحضرت له هدية بنفس القيمة. المال يحول الصداقة إلى صفقة.

الدرس هنا: في العمل، تذكر أن المكافآت المالية ليست الحل الوحيد. الموظفون غالباً ما يعملون بجدية أكبر وإخلاص (تأخر في العمل، جهد إضافي) بدافع الانتماء والتقدير (أعراف اجتماعية) أكثر مما يفعلون من أجل المال الإضافي (أعراف سوق).

لا تحاول تسعير كل شيء في علاقاتك، لأنك قد تخسر ما لا يمكن للمال شراؤه: الولاء والإخلاص الحقيقي.

تأثير الامتلاك – لماذا نبالغ في تقييم ما نملك؟

يعاني البشر من انحياز معرفي قوي يُعرف بـ “تأثير الامتلاك”. نحن كائنات تميل بطبعها للوقوع في حب ما تملك. بمجرد أن يدخل شيء ما في حيازتنا، نغير منظورنا له تماماً ونبدأ في المبالغة في تقدير قيمته المادية والمعنوية مقارنة بأي شخص لا يملكه.

يرتكز هذا الانحياز على ثلاث علل نفسية:

  1. نحن نقع في حب ما نملك فوراً.
  2. نحن نركز بشدة على ما سنخسره (البيع) أكثر من تركيزنا على ما سنكسبه (المال)، فالخسارة مؤلمة نفسياً أكثر من متعة الكسب.
  3. نحن نفترض بسذاجة أن الطرف الآخر (المشتري) ينظر للشيء من نفس الزاوية العاطفية التي ننظر منها، ولا ندرك أنه يرى مجرد “سلعة مستعملة”.

جنون تذاكر كرة السلة

في جامعة “ديوك”، تعتبر كرة السلة ديناً لا رياضة فحسب. الملعب صغير والطلب هائل، لذا يخيم الطلاب في خيام لأيام وأسابيع في العراء للدخول في “يانصيب” للحصول على التذاكر. هذا الاستثمار الهائل في الجهد يجعل التجربة مثالية لدراسة تأثير الامتلاك.

تواصل أرييلي مع مجموعتين من الطلاب بعد انتهاء اليانصيب:

  • المجموعة الأولى: الطلاب الذين حالفهم الحظ وفازوا بالتذاكر.
  • المجموعة الثانية: الطلاب الذين خيموا وبذلوا نفس الجهد لكن لم يحالفهم الحظ.

سأل الطلاب الذين لم يفوزوا: “كم أنتم مستعدون لدفع المال لشراء تذكرة؟”. كان المتوسط حوالي 170 دولاراً. كانوا يحسبون التكلفة بناءً على ميزانيتهم وقيمة الترفيه المعتادة.

ثم سأل الطلاب الذين فازوا بالتذاكر وأصبحوا “ملاكاً” لها: “بكم تبيعون تذاكركم؟”. كانت الصدمة أن المتوسط المطلوب كان 2400 دولار!

الفجوة بين 170 و2400 دولار ليست مجرد فرق في السعر، بل هي فرق في الرؤية. المالك يرى “ذكريات العمر” التي سيخسرها، بينما المشتري يرى “ساعتين من اللعب”. بمجرد التملك، تضاعفت القيمة 14 مرة في عيون الملاك.

فخ “جرب قبل أن تشتري”

تستغل الشركات هذا الضعف ببراعة من خلال عروض “الضمان الذهبي” أو “جرب المنتج لمدة 30 يوماً واسترجع نقودك إن لم يعجبك”. هم يعلمون أنك بمجرد أن تأخذ المنتج إلى منزلك، ويصبح جزءاً من حياتك اليومية، سيسري مفعول “تأثير الامتلاك”. ستشعر بملكيته، وستصبح فكرة إعادته مؤلمة نفسياً كأنك تخسر شيئاً عزيزاً، حتى لو لم تكن بحاجة ماسة إليه.

الدرس هنا: حاول ممارسة “الانفصال العاطفي” عن ممتلكاتك قبل بيعها. انظر إليها بعين شخص غريب. وعند الشراء، كن حذراً من العروض التجريبية؛ فهي فخ يجعلك مالكاً نفسياً قبل أن تدفع قرشاً واحداً.

قوة التوقعات – العقل يشكل الواقع

هل جودة المنتج هي المعيار الوحيد الذي يحدد رضانا عنه؟ العلم يجيب بالنفي القاطع.

يوضح أرييلي أن “توقعاتنا المسبقة” تلعب دوراً حاسماً في تشكيل تجربتنا الفيزيائية والحسية للواقع. الدماغ لا يستقبل المعلومات الحسية (طعم، رؤية) بشكل سلبي، بل يقوم بعملية نشطة لتوقع ما سيحدث بناءً على المعلومات المسبقة، وهذا التوقع يغير الطريقة التي ندرك بها الطعم أو الألم أو المتعة فعلياً.

إذا كنت تتوقع أن الطعام لذيذ (بسبب وصفه في القائمة، أو فخامة المطعم)، فإن دماغك سيفرز مواد كيميائية تهيئك للاستمتاع، مما يجعلك تستطعمه ألذ فعلاً مما هو عليه. وبالمثل، إذا كنت تتوقع تجربة سيئة، فغالباً ما ستكون كذلك.

بيرة MIT والخل البلسمي

في تجربة طريفة جرت في حانة بمعهد MIT، قدم أرييلي للطلاب نوعين من البيرة مجاناً ليختاروا بينهما:

  • النوع (أ): بيرة تجارية عادية معروفة (Budweiser).
  • النوع (ب): “بيرة MIT الخاصة”، وهي نفس البيرة العادية ولكن أضاف إليها قطرات من الخل البلسمي.

أجريت التجربة في ظروف مختلفة:

  • في الحالة الأولى (“العمياء”): تذوق الطلاب النوعين دون معرفة المكونات. الغالبية العظمى فضلت البيرة ذات الخل! لقد أضاف الخل نكهة مميزة وجدها الطلاب مستساغة.
  • في الحالة الثانية: تم إخبار الطلاب بوجود “الخل” في البيرة قبل أن يتذوقوها. هنا حدث التغيير الجذري. بمجرد أن سمعوا كلمة “خل”، تجعدت أنوفهم وتوقعوا طعماً مقززاً. وعندما تذوقوها، أكدوا أنها سيئة جداً ورفضوا شربها.

المعلومة المسبقة (وجود الخل) لم تغير رأيهم فقط، بل غيرت تجربتهم الحسية المباشرة. المعرفة المسبقة شكلت التذوق الفعلي، وجعلت الطعم الذي كان لذيذاً في التجربة العمياء يصبح كريهاً بفضل قوة التوقعات السلبية.

فن التقديم

تثبت هذه التجارب أن “الشكل” لا يقل أهمية عن “المضمون”. طريقة تقديم الطعام في أطباق فاخرة تجعله ألذ. وصف الموظف بلقب وظيفي فخم يجعله يبدو أكثر كفاءة. استخدام مصطلحات رنانة في وصف منتجك يرفع قيمته.

الدرس هنا: لا تهمل جانب “العرض والتقديم” في حياتك وعملك. إذا كنت تقدم تقريراً لمديرك، فالغلاف الأنيق والتنسيق الجيد يرفع توقعاته حول جودة المحتوى. إذا كنت تبيع فكرة، فقم بتهيئتها بقصة جذابة ترفع سقف التوقعات. نحن نتذوق وندرك ما نتوقع أن نراه، فاحرص على بناء توقعات إيجابية لمن حولك.

سياق شخصيتنا – لماذا نغش بصدق؟

نحن نحب أن نرى أنفسنا كأشخاص شرفاء ونزيهين. ولكن في المقابل، نحن نحب أيضاً أن نحصل على المنافع والمكاسب (ولو عبر الغش).

كيف يحل العقل البشري هذا التناقض؟ يقترح أرييلي نظرية مثيرة: نحن نغش بمقدار ضئيل يسمح لنا بالربح، ولكن بشرط أن يظل هذا المقدار بسيطاً بما يكفي ليسمح لضمائرنا بالنوم مرتاحة.

نحن نمارس نوعاً من “الجمباز العقلي” لتبرير أفعالنا الصغيرة (أخذ قلم من المكتب، المبالغة الطفيفة في تقرير المصاريف) باعتبارها ليست سرقة حقيقية. والأخطر من ذلك، وجد أرييلي أن الغش يزداد سهولة كلما ابتعدنا عن التعامل بـ “المال النقدي”. سرقة ورقة نقدية بدولار واحد تبدو جريمة، لكن سرقة قلم بدولار واحد تبدو أمراً عادياً، لأن غياب المال المباشر يسهل عملية التبرير الذاتي.

الوصايا العشر والكوكا كولا

أجرى أرييلي سلسلة تجارب كاشفة حول النزاهة. في إحداها، وضع في ثلاجات سكن الطلاب المشتركة نوعين من الطعوم:

  1. ست علب من الكوكا كولا.
  2. أطباق تحتوي على دولارات نقدية.

النتيجة؟ خلال 72 ساعة، اختفت جميع علب الكولا (سرقة بضائع)، بينما بقيت الأموال النقدية مكانها ولم يلمسها أحد! الطلاب الذين يعتبرون أنفسهم شرفاء لم يجرؤوا على سرقة المال، لكنهم لم يجدوا غضاضة في “أخذ” الكولا.

وفي تجربة أخرى أكثر عمقاً (تجربة الوصايا العشر)، طلب من مجموعتين من الطلاب حل مسائل رياضية مع فرصة للغش وكسب المال.

  • المجموعة الأولى: طُلب منهم تذكر أسماء 10 كتب قرأوها في المدرسة الثانوية. هذه المجموعة مارست الغش المعتاد (ادعوا حل مسائل أكثر مما حلوا فعلاً).
  • المجموعة الثانية: طُلب منهم محاولة تذكر “الوصايا العشر” قبل البدء في الاختبار. المفاجأة كانت أن هذه المجموعة لم تغش مطلقاً، حتى أولئك الذين لم يتذكروا الوصايا بالكامل.

مجرد استحضار “معيار أخلاقي” قبل لحظة الغواية كان كافياً لإيقاف آلية التبرير الذاتي وجعل الطلاب يتصرفون بنزاهة تامة.

هندسة النزاهة

الدرس المستفاد هنا هو أن الشرف ليس حالة ثابتة، بل يتأثر بالسياق. التواقيع على مواثيق الشرف في نهاية الأوراق الرسمية (مثل الإقرارات الضريبية) لا تفيد كثيراً لأن الغش يكون قد حدث بالفعل.

لتعزيز النزاهة في نفسك أو فريقك، ضع تذكيرات أخلاقية واضحة في بداية التعامل. إذا كنت مديراً، ذكّر موظفيك بقيم الشركة قبل البدء في مشروع حساس. واعلم أن التعامل بالأشياء غير النقدية (الرموز، الأسهم، الوقت) يفتح باباً واسعاً للغش الذاتي، لذا كن أكثر يقظة وحزماً في تلك المناطق الرمادية.

في الختام – ترويض اللاعقلانية

في نهاية رحلتنا مع كتاب “توقع لا عقلاني”، ندرك حقيقة جوهرية: نحن لسنا تلك الكائنات المنطقية والرصينة التي تصورها النماذج الاقتصادية التقليدية. نحن في الواقع كائنات عاطفية، تتأثر بسياق اللحظة، وتقع في حب أفكارها وممتلكاتها، وتمتلك قدرة عجيبة على خداع ذاتها ببراعة.

ولكن، كما يؤكد المؤلف دان أرييلي:

“نحن لسنا فقط لا عقلانيين، بل نحن لا عقلانيون بشكل يمكن توقعه؛ حيث تتكرر أخطاؤنا بالطريقة نفسها مراراً وتكراراً.”

يشير هذا الاقتباس الختامي إلى الأمل الكامن في الكتاب. بما أن لا عقلانيتنا يمكن التنبؤ بها، فهذا يعني أننا نستطيع تصميم أنظمة، ومنتجات، وبيئات عمل تحمينا من أخطائنا.

الدرس الأكبر من هذا الكتاب هو التواضع والشك. في المرة القادمة التي تشعر فيها باليقين التام تجاه قرار ما، توقف للحظة. اسأل نفسك: هل هذا قراري حقاً؟ أم أنه صدى لمرساة قديمة، أو فخ مجاني، أو مقارنة خادعة؟

الوعي بنقاط ضعفنا هو الخطوة الأولى والأهم نحو اتخاذ قرارات أكثر حكمة.

Click to rate this post!
[Total: 0 Average: 0]