ملخص كتاب ما أوصلك إلى هنا لن يوصلك إلى هناك
حين يصبح النجاح هو العدو
هل تساءلت يومًا لماذا يتوقف صعود المديرين التنفيذيين الأذكياء واللامعين فجأة؟ لماذا يصطدم قادة حققوا إنجازات مذهلة بجدار خفي يمنعهم من الوصول إلى القمة المطلقة، رغم امتلاكهم المهارات التقنية، والذكاء الحاد، وساعات العمل الطويلة؟
الإجابة التي يقدمها مارشال غولدسميث، أحد أشهر المدربين التنفيذيين في العالم، قد تكون صادمة: إن الصفات التي قادتك للنجاح في الماضي قد تكون هي نفسها المسامير التي تُغلق نعش مستقبلك المهني.
في كتابه “ما أوصلك إلى هنا لن يوصلك إلى هناك”، يفكك غولدسميث هذه المفارقة المعقدة. الفكرة الجوهرية هنا بسيطة ولكنها عميقة: الصعود من الإدارة المتوسطة إلى القيادة العليا لا يتطلب تعلم مهارات جديدة (ما يجب فعله)، بقدر ما يتطلب التخلي عن عادات سلوكية سامة (ما يجب التوقف عن فعله).
هذا الملخص سيأخذك في رحلة استشارية خاصة لتكتشف “النقاط العمياء” في سلوكك، ويمنحك الأدوات لتفكيكها قبل أن تفكك مسارك المهني.
وهم النجاح – مغالطة “السببية الخرافية”
يبدأ مارشال غولدسميث كتابه بتشريح العقلية الدفاعية المعقدة للقادة الناجحين. يواجه هؤلاء القادة مشكلة فريدة من نوعها تختلف عن الموظفين العاديين؛ فهم يملكون سجلاً حافلاً من الانتصارات. هذا السجل يخلق لديهم ما يُعرف بـ “الارتباط الوهمي” أو المغالطة السببية.
المعادلة في ذهن القائد تسير كالتالي: “أنا أتصرف بطريقة معينة (حتى لو كانت سلبية، مثل العناد أو عدم الاستماع)، وأنا ناجح جدًا وأحقق الأرباح؛ إذن، أنا ناجح بسبب تصرفي بهذه الطريقة”. هذا المنطق المعيب هو الدرع الذي يحمي عيوبهم من التغيير.
الحقيقة العلمية التي يؤكدها علم النفس السلوكي هي أن هؤلاء القادة غالبًا ما يكونون ناجحين رغم عيوبهم، وليس بسببها. إنهم ينجحون لأنهم أذكياء، أو لأن فريقهم متفانٍ، أو لأن ظروف السوق مواتية، بينما سلوكياتهم السامة هي في الواقع مكابح تقلل من سرعتهم الحقيقية، لكنهم لا يدركون ذلك لأن السيارة لا تزال تتحرك.
“المشكلة في نجاحك بالأمس هي أنه يجعلك تعتقد أنك محصن ضد الفشل غداً.”
(هذا الاقتباس يسلط الضوء على الغرور الخفي الذي يصيب الناجحين، حيث يعميهم نجاحهم السابق عن رؤية الحاجة الملحة لتغيير سلوكياتهم التي لم تعد تخدمهم).
استعارة الكلب والباب
لتوضيح هذا الوهم الراسخ، يستخدم المؤلف استعارة طريفة ولكنها كاشفة للغاية عن “الكلب والباب”. تخيل كلبًا ذكيًا يقف أمام الباب الخلفي للمنزل كل صباح، يبدأ بالنباح ويخدش الخشب بمخالبه بعنف. بعد قليل، يشفق صاحبه عليه أو ينزعج من الضجيج، فيقوم بفتح الباب له.
الكلب، في عقله البسيط وقدرته المحدودة على الربط، يكوّن اعتقاداً جازماً: “الخدش هو الذي يفتح الباب”. هو يعتقد بصدق أن عملية إتلاف الخشب هي المفتاح السحري والاستراتيجية الفعالة للخروج.
لكن الواقع الذي لا يدركه الكلب هو أن الباب فُتح لسببين لا علاقة لهما بالخدش: رحمة صاحبه، أو رغبة صاحبه في الهدوء. الخدش لم يفعل شيئاً سوى إتلاف الطلاء وإزعاج أهل البيت. الأمر نفسه ينطبق تماماً على القادة.
قد يعتقد المدير أن صراخه في الاجتماعات، أو ضغطه المفرط، أو تدخله في أدق التفاصيل هو سبب نجاح الشركة وتحقيق الأرقام، بينما في الحقيقة، النجاح تحقق بفضل صبر الفريق، وكفاءة الموظفين، وجودة المنتج. إن “خدش” المدير لم يفعل شيئاً سوى إيذاء معنويات من حوله، ولو توقف عن “الخدش” (السلوك السلبي)، لربما فُتحت له أبواب أكبر وبجهد أقل.
الفصل الجراحي
عليك القيام بعملية فصل دقيقة بين “نجاحك المهني” و”سلوكك الشخصي”. توقف فوراً عن تبرير عيوبك بأنها جزء من “الكاريزما” الخاصة بك أو خلطة نجاحك السرية.
انظر في المرآة وقل لنفسك: “أنا ناجح رغم أنني لا أجيد الاستماع”، أو “أنا ناجح رغم أنني سريع الغضب”. هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى لتفكيك الارتباط الوهمي. تذكر أن ما نجح في الماضي ليس بالضرورة هو الاستراتيجية الصحيحة للمستقبل، وأن استمرار هذا السلوك لن يفتح لك أبواب المستوى التالي من القيادة، بل قد يغلقها في وجهك للأبد.
العادات العشرون – فخ “الرغبة في الفوز”
يستعرض الكتاب قائمة بـ 20 عادة سلوكية مزعجة تعيق القادة، مثل “إصدار الأحكام” و”التحدث عندما تكون غاضباً”. لكن غولدسميث يحدد “أم الكبائر” في عالم القيادة، وهي العادة رقم 1: الرغبة في الفوز أكثر من اللازم.
تكمن المشكلة في أن الأشخاص الناجحين تنافسيون بطبعهم؛ فهذه السمة هي التي جعلتهم يتفوقون في الدراسة، ويفوزون بالوظائف، ويحققون الترقيات. ولكن، عندما يصلون إلى القمة، تصبح هذه الميزة “مرضاً”.
تتسرب المنافسة من الحياة المهنية الاستراتيجية إلى العلاقات الإنسانية البسيطة. القادة المصابون بهذا الداء يميلون لا شعورياً لتحويل كل موقف، كل نقاش جانبي، وكل تفصيل صغير إلى “معركة” يجب الانتصار فيها.
هذه العادة تدمر مبدأ التعاون، لأنك عندما تصر على الفوز في نقاش مع موظفيك أو زوجتك، فإنك تجعلهم تلقائياً “خاسرين”. ومع تكرار الأمر، تخلق بيئة مليئة بالخاسرين المستائين حول القائد “المنتصر” دائمًا.
العشاء الذي تحول إلى معركة
يروي غولدسميث سيناريو كلاسيكيًا مؤلمًا يوضح كيف تدمر الرغبة في الفوز أمتع اللحظات:
يقرر زوجان الخروج لتناول العشاء في أمسية هادئة. يقترح الزوج مطعم (أ)، بينما تصر الزوجة بحماس على مطعم (ب). بعد نقاش قصير، يرضخ الزوج ويذهبان إلى المطعم (ب). للأسف، تحدث المفاجأة غير السارة؛ تكون الخدمة بطيئة جداً والطعام سيئاً للغاية.
هنا يواجه الزوج “القائد” مفترق طرق حاسم يحدد طبيعة شخصيته:
- الخيار الأول: أن يصمت، يبتسم، ويحاول تلطيف الجو بمزحة عن سوء الطعام، ليتمكنوا من الاستمتاع بصحبة بعضهم البعض رغم سوء المكان.
- الخيار الثاني: أن يطلق العبارة السامة: “ألم أقل لكِ ذلك؟ كان يجب أن نذهب إلى المطعم الذي اخترته! لماذا لا تستمعين لي أبداً؟”.
المؤسف هو أن معظم القادة يختارون الخيار الثاني بشكل تلقائي. لماذا؟ لأنهم يريدون “الفوز” بالنقاش بأثر رجعي. إنهم يفضلون إثبات صحة وجهة نظرهم على حساب مشاعر الطرف الآخر. لقد ربح الزوج نقطة في سجل النقاش المنطقي، لكنه خسر زوجته في تلك الليلة، وحول أمسية رومانسية إلى ذكرى سيئة.
هذا هو بالضبط ما يفعله المديرون في الاجتماعات عندما يثبتون أخطاء موظفيهم بقسوة لمجرد إظهار أنهم كانوا محقين.
الأثر – الاختيار الواعي
الدرس هنا ليس أن تتوقف عن المنافسة في السوق، بل أن تتوقف عن المنافسة في العلاقات. في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك وسط جدال تافه (سواء في العمل حول حجم الخط في العرض التقديمي، أو في المنزل)، اضغط على زر الإيقاف المؤقت واسأل نفسك سؤالاً واحداً:
“ما هو الأهم الآن: أن أكون محقاً وأثبت ذكائي، أم أن أكون سعيداً وفعالاً وأحافظ على العلاقة؟”.
تذكر أن الفوز في التوافه هو خسارة فادحة للقيادة الحقيقية، وأن القائد العظيم هو من يسمح للآخرين بالفوز بالنقاشات الصغيرة ليكسب هو ولائهم الكبير.
فخ “إضافة القيمة” – عندما يكون الصمت ذهباً
واحدة من أصعب العادات التي يجب كسرها لدى الأذكياء والخبراء هي الرغبة القهرية في “تحسين” أفكار الآخرين. القائد يعتقد أن وظيفته هي إضافة قيمة لكل شيء يمر أمامه.
عندما يأتيك موظف بفكرة رائعة بنسبة 90%، يتدخل القائد تلقائيًا ليضيف الـ 10% المتبقية ليجعلها “مثالية” من وجهة نظره.
علميًا، ومن منظور جودة المنتج، قد يرفع القائد جودة الفكرة قليلًا (من 90% إلى 95%). ولكن، هناك معادلة خفية يغفل عنها القادة:
فعالية التنفيذ = جودة الفكرة × التزام الفريق بها.
عندما تتدخل لتضيف لمستك، فإن جودة الفكرة ترتفع بنسبة 5%، لكن التزام الموظف بتنفيذها ينخفض بشكل حاد (قد يصل الانخفاض إلى 50%). لماذا؟ لأنها لم تعد “فكرته” التي يفتخر بها، بل أصبحت “فكرتك” التي فرضتها عليه. لقد سرقت ملكيته النفسية للمشروع.
“توقف عن محاولة أن تكون أذكى شخص في الغرفة.”
هذا تذكير قاسٍ ومباشر للقادة الذين يعيق ذكاؤهم وكبرياؤهم قدرة فرقهم على الإبداع. القيادة تتعلق بتمكين الآخرين ليكونوا أذكياء، وليس بإبهارهم بذكائك.
الجراحة غير الضرورية
يشبه غولدسميث هذا السلوك بجراح ماهر لا يستطيع مقاومة إجراء شق إضافي في جسد المريض لمجرد أنه يملك المشرط ويستطيع ذلك، حتى لو لم يكن المريض بحاجة إليه.
يصف مواقف متكررة في غرف الاجتماعات: يجلس مدير تنفيذي مع فريقه، ويطرح أحد الموظفين الشباب فكرة واعدة. يلمعت عينا المدير، وبدلاً من التشجيع، يقول: “فكرة ممتازة، ولكن لو قمت بتغيير هذا الجزء، وأضفت هذه الميزة، ستكون أفضل بكثير”.
كلمة “ولكن” هنا تعمل كأداة جراحية تقطع حبل الحماس. يصف غولدسميث كيف يمكنك ملاحظة لغة الجسد للموظف؛ حيث تنخفض أكتافه، ويخفت بريق عينيه. هو يغادر الغرفة ليس بحماس “سأنفذ حلمي”، بل بعبء “سأنفذ أوامر المدير”.
القائد هنا خسر طاقة الموظف مقابل تحسين نظري طفيف جداً في الفكرة.
كبح جماح الذكاء
تعلم فن “التنفس ثم الصمت”. قبل أن تتحدث لتعديل فكرة ما، اسأل نفسك: “هل إضافتي ضرورية جداً لنجاح الفكرة؟ أم أنها مجرد رتوش لإشباع غروري؟”.
إذا كانت فكرة الموظف جيدة بما يكفي لتحقيق الهدف، ابتلع رغبتك في تعديلها. أغلق فمك، واكتفِ بالقول: “فكرة رائعة، انطلق في تنفيذها”. الحفاظ على حماس الفريق وملكيته للمشروع أهم بمراحل من الوصول إلى كمال نظري في الفكرة، فالأفكار المتوسطة التي ينفذها فريق متحمس تنجح أكثر من الأفكار العبقرية التي ينفذها فريق محبط.
التغذية الراجعة – المرآة التي لا تكذب
نحن نعاني جميعاً مما يسمى بـ “العمى الإدراكي” بخصوص تأثيرنا على الآخرين. لا يمكننا رؤية تعابير وجوهنا ونحن نتكلم، ولا نسمع نبرة صوتنا العدوانية أو المتعالية كما يسمعها غيرنا. نحن نقيّم أنفسنا بناءً على “نوايانا” (التي عادة ما تكون طيبة)، بينما يقيّمنا الآخرون بناءً على “أفعالنا” وتأثيرها عليهم.
لذلك، يعتمد القائد الذكي على التغذية الراجعة (Feedback) ليس كأداة بيروقراطية للتقييم السنوي، بل كـ “مرآة” ضرورية للبقاء على قيد الحياة مهنياً. المشكلة الكبرى تكمن في “حاجز الخوف”؛ فكلما ارتفع منصبك، قلّ احتمال أن يخبرك الناس بالحقيقة. الموظفون ينافقون القادة أو يتجنبون مصادمتهم، مما يجعل القائد يعيش في فقاعة من الوهم.
صدمة “القائد المنصت”
يحكي غولدسميث قصة حقيقية لمدير تنفيذي كان يفخر دائمًا بأنه “مستمع جيد”. كان يكتب في تقاريره الذاتية أنه يطبق سياسة “الباب المفتوح”، وكان مقتنعًا تمامًا بهذه الصورة الذاتية الإيجابية.
ولكن، عندما أجرى غولدسميث تقييمًا سرياً شاملاً (360 درجة) شمل جميع الموظفين المحيطين به، جاءت النتائج كالصاعقة.
البيانات – التي لا تكذب ولا تجامل – أظهرت أن الموظفين يرونه “ديكتاتوراً لا يسمع إلا صوته”، وأن سياسة الباب المفتوح تعني بالنسبة لهم “ادخل لتسمع محاضرتي ولا تجرؤ على المقاطعة”.
الصدمة التي أحدثتها الأرقام كانت الاستعارة الأقوى هنا؛ فالأرقام كانت مرآة قاسية حطمت وهمه عن نفسه. في البداية، حاول إنكار النتائج واتهام الموظفين بعدم الفهم، لكن كثافة البيانات أجبرته على الرضوخ. كانت تلك اللحظة المؤلمة هي نقطة التحول؛ لأنه لأول مرة رأى وجهه الحقيقي في عيون فريقه.
الأثر – قبول الهدية
لا تعتمد أبداً على حدسك في تقييم أدائك السلوكي. اطلب تقييماً سرياً وصريحاً من المحيطين بك. والأهم من الطلب هو “رد الفعل”.
عندما يخبرك شخص ما بعيب فيك، ستقفز “الأنا” داخلك لتدافع وتبرر وتشرح. قاوم هذه الرغبة بكل قوتك. تعامل مع التغذية الراجعة كهدية ثمينة. هل تجادل شخصاً أهداك هدية؟ لا. الرد الوحيد المقبول والمهني هو كلمة واحدة: “شكراً”. ثم اذهب وحدك وفكر في كيفية الإصلاح.
سحر الاعتذار – تطهير الجرح
كثير من القادة يعتبرون الاعتذار علامة ضعف أو تقليل من الهيبة، لكن غولدسميث يراه أداة استراتيجية نفسية قوية تسمى “إغلاق الملف”. البشر لا يستطيعون التطلع للمستقبل والعمل بحماس وهم يحملون أثقالاً وضغائن من الماضي.
لكي تبدأ سلوكًا جديدًا، يجب عليك أولاً إيقاف السلوك القديم والاعتراف بضرره. الاعتذار يفعل شيئاً سحرياً في الدماغ البشري: إنه يجبر الآخرين عاطفيًا ومنطقيًا على التوقف عن لومك على الماضي. إنه يكسر دائرة الاستياء ويفتح صفحة بيضاء. بدون اعتذار، سينظر الناس إلى أي تغيير إيجابي في سلوكك بعين الريبة، وسيعتبرونه “مرحلة مؤقتة” أو “تمثيلية”.
استعارة تنظيف الجرح
يستخدم المؤلف استعارة طبية بليغة جداً لتوضيح هذا المفهوم: “لا يمكنك وضع الدواء وتضميد الجرح وهو لا يزال ملوثاً ومليئاً بالقيح”.
الاعتذار هو عملية “تنظيف الجرح”. قد تكون عملية مؤلمة، لكنها ضرورية. يروي قصصاً لقادة متغطرسين كسبوا احترام الجميع مجدداً في لحظة واحدة صادقة.
تخيل قائداً يجمع فريقه ويقول بصدق: “أنا أعلم أنني كنت فظاً في الأشهر الماضية، ولم أقدر جهودكم كما ينبغي. أنا آسف، كنت مخطئاً، وأريد أن أتغير”.
هذا الاعتراف العلني يزيل السموم من العلاقة فوراً. إنه يسحب البساط من تحت أقدام النميمة والاستياء، ويسمح لعملية الشفاء (التغيير السلوكي) أن تبدأ بفعالية. بدون هذا التنظيف، أي محاولة للتغيير ستكون مثل وضع ضمادة نظيفة على جرح ملوث؛ لن يشفى الجرح أبداً.
قاعدة “بدون لكن”
إذا أردت تغيير سلوكك، ابدأ بالاعتذار لكل من تضرر من سلوكك القديم. ولكن احذر من “الاعتذار المشروط”.
القاعدة الذهبية هي: لا تبرر، ولا تشرح.
- الاعتذار الخاطئ: “أنا آسف لأنني صرخت، لكنني كنت مضغوطاً جداً بسبب الأرقام”. (كلمة “لكن” هنا ألغت الاعتذار وحولته إلى تبرير).
- الاعتذار الصحيح: “أنا آسف على صراخي. لم يكن ذلك تصرفاً لائقاً. سأحاول أن أكون أفضل”. نقطة. انتهى الكلام.
التغذية المتقدمة – النظر إلى الأمام
بينما تركز التغذية الراجعة على تشريح الماضي (وهو ما يثير مشاعر الدفاعية والخجل والألم)، يطرح غولدسميث مفهوماً ثورياً هو “التغذية المتقدمة”.
المبدأ النفسي هنا بسيط: نحن لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع تشكيل المستقبل. الناس يتقبلون تقديم النصائح للمستقبل أكثر بكثير من توجيه النقد للماضي، لأن النصيحة المستقبلية تبدو كـ “مساعدة”، بينما النقد الماضي يبدو كـ “حكم قضائي”.
التغذية المتقدمة تركز على الحلول بدلاً من المشاكل، وتخلق طاقة إيجابية بدلاً من السلبية.
“نحن نقضي الكثير من الوقت في تعليم القادة ما يجب عليهم فعله، ولا نقضي وقتاً كافياً في تعليمهم ما يجب عليهم التوقف عن فعله.”
(يلخص هذا الاقتباس فلسفة الكتاب بالكامل؛ النجاح في المستويات العليا يعتمد على الطرح وإزالة المعوقات، وهنا تأتي التغذية المتقدمة لترشدنا لما يجب فعله أو تركه مستقبلاً).
تمرين الورشة الذي يغير الحياة
يصف غولدسميث تمريناً شهيراً يجريه في ورش العمل الخاصة به مع كبار التنفيذيين. يطلب من المشاركين الوقوف، واختيار زميل لا يعرفونه جيداً، والقيام بشيء بسيط جداً:
- ذكر هدف يودون تحسينه (مثلاً: أريد أن أكون مستمعاً أفضل).
- طلب “نصيحتين للمستقبل” من الزميل لتحقيق هذا الهدف.
القاعدة الصارمة والوحيدة في هذا التمرين هي: يُسمح لطالب النصيحة فقط بقول كلمة “شكراً”.
يُمنع النقاش، يُمنع التبرير (“أنا بالفعل أفعل ذلك”)، يُمنع النقد، ويُمنع الحكم على النصيحة.
النتيجة تكون دائمًا مذهلة: الغرفة التي كانت مليئة بالتوتر الرسمي تمتلئ فجأة بضحك وطاقة إيجابية هائلة. يخرج الجميع بقائمة من الحلول العملية دون أن يشعر أحد بالإهانة أو التجريح. إنها استعارة حية لقوة التركيز على “ما يمكن أن يكون” بدلاً من الغرق في “ما كان”.
تطبيق الغد
يمكنك تطبيق هذا فوراً مع فريقك أو عائلتك. بدلًا من سؤالهم: “ما الخطأ الذي ارتكبته في الماضي؟” (مما قد يحرجهم)، اسألهم بصيغة المستقبل:
“أريد أن أكون مديراً أفضل في إدارة الاجتماعات. ما هما الشيئان اللذان تقترحون عليّ فعلهما في المستقبل لتحقيق ذلك؟”.
استمع للمقترحات، دوّن الملاحظات، قل “شكراً”، ولا تعدهم بشيء سوى أنك ستفكر في الأمر وتحاول. ستندهش من كمية الأفكار البناءة التي ستحصل عليها عندما تزيل “رهبة نقد الماضي” من المعادلة.
الخلاصة – الرحلة من النجاح إلى التميز
في النهاية، يعلمنا كتاب “ما أوصلك إلى هنا لن يوصلك إلى هناك” درسًا بليغًا في التواضع المهني. المهارات التي أوصلتك إلى منتصف الجبل ليست هي المعدات التي تحتاجها لتسلق قمته الجليدية. ما تحتاجه الآن ليس المزيد من الذكاء التقني، بل المزيد من الذكاء السلوكي.
لقد أوصلتك جرأتك ورغبتك في الفوز إلى منصبك الحالي، ولكن لكي تتقدم، عليك أن تترك هذه الأسلحة جانباً وتستبدلها بالإنصات، والاعتذار، وتمكين الآخرين. إنها دعوة للتخلي عن “الأنا” لصالح “النحن”.
تذكر: التغيير ليس سهلاً، ولكنه الثمن الوحيد للوصول إلى المكان الذي تستحق أن تكون فيه. أنت هنا الآن، ولكن “هناك” بانتظارك بنسخة أفضل منك.